رئيس من البُعد البديل

بوغاتي

لا تزال فكرة الأبعاد الموازية أو البديلة تداعب مخيلة روائيي الخيال العلمي وعلماء الفيزياء على حد سواء، تفترض هذه الفكرة وجود عوالم بديلة قد تتشابه مع عالمنا الحالي في الأماكن والأشخاص لكنها تختلف معه في مجريات الأحداث ومسارات الأمور، ومن اكثر من يثير في هذه الفكرة هو إيجاد ذلك الممر الخارق الذي يمكن من التنقل بين هذه العوالم ومراقبة مجريات الأمور لو أن البشرية اتخذت منعطفا مختلفا عند نقطة محورية في تاريخها فكيف سيتغير التاريخ بناء على ذلك؟ أو مثلا أن يستطيع أحدنا أن يلتقي بنفسه من بعد بديل وقد اختار ذلك الآخر مجرى حياة مختلف عن حياتنا الحالية، وكذلك يتساءل المهتمين بهذه الفكرة ماذا لو قرر شخص من بعد ما أن يهاجر للعيش في بعد بديل يختلف تماما عن البعد الذي عاش فيه طوال حياته، هل يا ترى يستطيع أن يشكل روابط حقيقية مع الواقع الجديد؟ هل يستطيع أن يتفهم تعقيداته ومشكلاته وهو الآتي من بعد آخر؟

ولعلنا في الكويت –على قلة إسهامنا العلمي للعالم الخارجي- نستطيع أن نسهم بإجابة على السؤال الأخير بالذات، فكما تعرفون يا سادة أننا في الكويت لدينا رئيس مجلس وزراء يعيش في بعد بديل مغاير تماما عما يعيش به باقي الشعب الكويتي، بعد يتشابه مع بعدنا الحالي في الأماكن والأشخاص لكن يختلف معه في مجريات الأحداث ومسارات الأمور.

في كويتنا وفي كويت الرئيس هناك أعمدة إنارة وإشارات مرور وشوارع لكن شوارعنا تختلف تماما عن شوارعه، شوارعنا تعاني الاختقاقات المرورية صباحا ومساء أما شوارع الرئيس فهادئة وفاضية ليل نهار، شوارعنا ساحة معركة الداخل فيها مفقود والخارج منها مولود وشوارع الرئيس تحفها الشرطة أينما ذهب، أراهن أن الرئيس في بعده الذي يعيش فيه يتساءل دائما من خلف زجاج سيارته المضاد للرصاص: أين باقي الشعب الكويتي؟ لماذا نكلف أنفسنا بإنشاء هذه الشوارع بهذه الطريقة إذا كنت سأسير فيها وحدي؟! ثم يكمل الرئيس: أعتقد أن الشعب الكويتي شعب بيتوتي ربما! ألم أقل لكم أنه من بعد بديل؟!

في البعد الذي يعيش فيه الرئيس الخدمات الصحية والخدمات الفندقية والراحة والاستجمام ثلاث كلمات لنفس المعنى تماما، في ذلك البعد البديل يشتاق الناس للمرض كما يشتاقون للصحة والعافية لشديد ما يلقون من اهتمام ورعاية من أول عطسة، في البعد الذي نعيش فيه نقف طوابيرا بالساعات ليفحصنا الطبيب المناوب ولكن في بعد الرئيس الأمور بالعكس والمقلوب حيث يقف طابور من الأطباء بالساعات ليفحص كل منهم سعادة الرئيس كل حسب دوره. في البعد الذي يعيش فيه الكويتيون يحول بينهم وبين ما يحتاجونه من علاج غير متوافر في مستشفيات الكويت بسبب رداءة الخدمات الصحية جبال ووديان من الواسطات ولجان العلاج في الخارج أما في بعد الرئيس فلا يعرف شيئا عن هذا الواقع وليس في مقدوره تصور هذا البعد فبينه وبين فحوصاته الروتينية في أفضل العيادات حول العالم هي المسافة فقط بين قصره وأقرب طيارة خاصة يمتلكها.

في بداية المقال ذكر التساؤل الافتراضي: ماذا لو قرر شخص من بعد ما أن يهاجر للعيش في بعد بديل يختلف تماما عن البعد الذي عاش فيه طوال حياته؟ هل يا ترى يستطيع أن يشكل روابط حقيقية مع الواقع الجديد؟ هل يستطيع أن يفهم تعقيداته ومشاكله وهو الآتي من بعد آخر؟ والإجابة من واقع التجربة العملية المريرة هي لا!! ولا كبيرة جدا!! بل والأكثر استحالة ولا معقولية هو أن يطبق هذا الغريب القادم من ذلك البعد السحيق على رقاب ومصائر أهل هذا البعد الحقيقي الذي يعيشه الكويتيون ويزعم أن يريد حل مشاكلهم وعلاج أوجاعهم لأنه أقرب الناس لها! لا يا سيدي لست كذلك فمشاكلنا وأوجاعنا ليست سوى أرقام على ورق أو أفكار مجردة بالنسبة إليك.

إن الأقرب للناس والأقدر على حل مشاكلهم هو ابن الشعب الكويتي والأمة الكويتية، هو من طحنته أوجاعها وعجنته تجاربها وخبزته خبراتها لا القادم من بعد بديل بعيد لا يعرف شيئا عما يعيشه الكويتيون كل يوم، المسألة ليست شخصية بأي شكل من الأشكال، فهي ليست ضد شخص الرئيس تحديدا لكنها ضد خبرات حياته التي لا تتصل بشكل من الأشكال بمشاكل الغالبية الساحقة من الكويتيين الذين يعنيهم غلاء المعيشة وتعليم أبناءهم في مدارس تحسن فرصهم وحظوظهم في المستقبل، انهم ذات الكويتيين الذين لا يستطيعون السفر إلى ربوع سويسرا كل أسبوعين تقريبا وهم ذات الكويتيين الذين لم يكونوا يعرفون أن هناك على وجه الأرض سيارة اسمها بوغاتي وقيمتها نصف مليون دينار كويتي حتى رأوا صورة للسيد الرئيس وهو يتنزه بها. سيب الخلق للخالق وعد إلى بعدك يا بعيد!.

شاهد أيضاً

سلطة بدون خيار

هل تحبون الخيار؟ الخيار كما تعرفون عنصر أساسي ومكون رئيسي في السلطة، فبدون الخيار لا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *