d8b3d986d8a9-d988-d8b4d98ad8b9d8a9

يشغل بالي عادة موضوع اختلاف الناس في أديانهم ومذاهبهم وبالذات تعاملهم مع بعض على أساس هذا الخلاف، فمقرر أن الناس مختلفون وسيظلون مختلفين إلى أن يلقوا ربهم فيحكم عليهم وبينهم فلا يمكن عمل شيء حيال ذلك، لكن ما يمكن العمل حياله هو كيف ينظر بعضنا لبعض وكيف نتعامل في ظل هذا الختلاف، وأحببت هنا أن أدون بعد الأفكار في هذا الموضوع:

أولاً: فهمي العام للإسلام أنه يدعو المسلم لمحبة كل الخلق وتمني الخير للجميع ما لم يأت نص صريح بوجوب كره شخص ما بذاته كأبي لهب أو فرعون مثلاً، منطلق المحبة هو أحد أسباب تمني الهداية والصلاح للآخرين اشفاقاً وخوفاً عليهم. هذا الخوف والإشفاق يتجاوز بالنسبة لي شخصياً المستوى الذهني العقلي إلى المستوى العاطفي، أي أنني فعلاً انطلق نفسياً من منطلق المحبة والمودة وتمني الخير للجميع مسلماً كان أو كافراً، سنيا كان أو شيعياً.

ثانياً: هناك تفريق بين المخالف الكافر المحارب عسكرياً وبين المسالم الذي لا يعتدي لقوله تعالى “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين” فالآية الكريمة ذكرت لفظاً غاية في الإحسان استخدم في القرآن في موضع آخر لبيان درجة الإحسان للوالدين وهو “البر” وهي درجة تتجاوز العدل والتعامل بالمثل، والآية الكريمة تساهم في صياغة ما أشعر به تجاه من يخالفني شديد الخلاف في عقيدتي فلا تنهاني عن أن أبادرهم بالبر والمبالغة في الإحسان لكافر كان أو مسلم من طائفة أخرى.

ثالثا: مع ما ذكرت سابقاً أجدني مستغربا شديد الاستغراب لما أجد في نفوس المسلمين سنة كانوا أو شيعة تجاه بعضهم في قضايا عقدية أو تاريخية تثار وتكون سبباً في شحن النفوس والبغض بين المسلمين، وسأذكر مثالاً حساساً هنا أرجو أن يتسع صدر القارئ لمناقشته وهو موقف الشيعة من السيدة عائشة وموقف السنة مو موقف الشيعة في هذه القضية:

1- أنا أعتقد أن السيدة عائشة مبرأة من السماء نصاً في القرآن وهي أم المؤمنين من سيدات نساء الدنيا والآخرة.

2- يسوؤني كما يسوء كل مسلم الإساءة والانتقاص من مقام السيدة عائشة ولا أقبل ذلك وأتبرأ منه.

3- في نفس الوقت أنا أجد أن الدين الإسلامي أشار إلى كيفية التعامل نفسياً مع الإساءة لرموز الدين من منطلق ديني (وأركز على أن المنطلق ديني)، فكما هو مقرر ومعروف أن الدين الإسلامي لم يمنع المسلم من أن يحب ويخطب ويتزوج المرأة المسيحية مثلا، وكما هو معروف أن الديانة المسيحية المحرفة تطعن بالأنبياء وهم أعلى قدراً ومقاماً عند الله وعند المسلمين من السيدة عائشة على عظم قدرها، على سبيل المثال يرى المسيحيون أن نبي الله لوط يزني بابنتيه حاشاه الله وكرمه! بل ويفعل ذلك وهو سكران! وهذا ما يردده ويعتقد به المسيحيون ومع هذا يمكن لمسلم أن يتزوج تلك المسيحية التي تقول ذلك وتعتقده وتردده كل أسبوع! فكيف يكون هذا؟! بل أكثر من هذا فالدين المسيحي يقوم أساساً على معتقد أكثر إساءة وأكثر تعارضاً مع عقيدة المسلمين وهو أن الله له ولد تعالى الله عن ذلك، وهذه في الميزان أبشع وأسوأ من أي شيء قاله أي شيعي في حق أي من رموز السنة، الإسلام ضمن للمسيحي والمسيحية حرية الإعتقاد على الرغم من خطأ وظلم هذا الاعتقاد، وذلك لم يكن حائلاً ألا يبر المسلم غير المسلم ويعدل معه، أو حتى أو يتزوج منهم وينجب أبناءً من امرأة مسيحية أو يهودية ويحب هذه المرأة ويبر أهلها ويحسن إليهم، وهذا أيضاً ليس فقط في حال الزواج لكني ضربت في الزواج المثل لأنه يوضح الفكرة بشكل أسرع.

4- أنا أردت من هذا الكلام أن أبين أن البعض يتعبد الله عزوجل ويظن أنه أقرب بكره الشيعة وتكريه الناس بالشيعة لأن بعض الشيعة يتهمون أم المؤمنين السيدة عائشة ويسبون الصحابة، وأرى أن هذا لا ينسجم مع ما يوجهنا له الإسلام مع من هم أشد إساءة في معتقداتهم على الإسلام كما ذكرت آنفا، فإن كان بعض الشيعة يقول ذلك في أم المؤمنين فما من مسيحي ولا مسيحية إلا ويرى على الأقل أن النبي (ص) كذاب يضل عن طريق الرب (حاشاه) وإلا لكانوا اتبعوه.

5- عادة يأتيني سؤال بعد أن أذكر مثل هذا الكلام: ماذا لو كان ما يقال عن السيدة عائشة يقال عن أحد من أهلك، فأجيب: السيدة عائشة شخصية تاريخية وصلت إلينا أخبارها بالقرآن والسنة والروايات ومحل الخلاف في شأنها أمر تاريخي بحثي وليس أمر شخصي، وأرد على السائل: طيب ما رأيك في لو كان ما يقوله المسيحيون عن سيدنا لوط يقال عن أحد من أهلك؟ طبعاً لن ترضى لكن الإسلام لم يطلب منك أن تبغضهم وتقاطعهم بل أمر بالبر إليهم، وسمح لك بأن تتخذ من نسائهم زوجة تسكن إليها وتكون أما لأبناءك.

رابعاً: النقاش العلمي ومحاولة إقناع الفئة الأخرى بما نظن أنه لدينا من الحق هو أمر مطلوب إلا أنه يجب أن يكون له قدره وحجمه من مجموع جهود الأمة والعلماء ويأخذ مكانه الصحيح ضمن الأولويات العامة، كما لا يجب أن تصاحبه أهداف وأغراض التحريض على الكراهية وشحن النفوس.

خامساً: إن الحديث عن فهم وقبول الآخر على اختلاف عقيدته لا يعني من قريب أو بعيد أننا نبيع أوطاننا أو نتسامح مع من يريد بها السوء، لكن ذلك يعني كذلك أن الاختلاف في المذهب ليس منطلقاً للعداوة والشحناء بين الدول ولا يجب أن يكون كذلك.

أخيراً: أرجو أن أكون قد وفقت في عرض وجهة نظري وأرجو منكم تفضلاً لا أمراً إبداء ملاحظاتكم وتوجيهاتكم في هذا الأمر، وشكرا على إكمال القراءة حتى هذا السطر :)